الشيخ محمد حسين الحائري
432
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
وإن كان معذورا لو فعل وأظهر من ذلك ما لو جزم بوجوب قتل نبي أو وصي فتجري ولم يفعل ألا ترى أن المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدو له فصادف العبد ابنه وقطع بأنه ذلك العدو فتجري ولم يقتله أن المولى إذا اطلع على حاله لا يذمه بهذا التجري بل يرضى به وإن كان معذورا لو فعل وكذا لو نصب له طريقا غير القطع إلى معرفة عدوه فأدى الطريق إلى تعيين ابنه فتجري ولم يفعل وهذا الاحتمال حيث يتحقق عند المتجري لا يجديه إن لم يصادف الواقع ولهذا يلزمه العقل بالعمل بمقتضى الطريق المنصوب لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب بخلاف ما لو ترك العمل به فإن المظنون فيه عدمها ومن هنا يظهر أن التجري على الحرام في المكروهات الواقعية أشد منه في مباحاتها وهو فيها أشد منه في مندوباتها ويختلف باختلافها ضعفا وشدة كالمكروهات ويمكن أن يراعى في الواجبات الواقعية ما هو الأقوى من جهاته وجهات التجري ثم لو سلم أن مصادفة الوقت غير اختيارية لعدم التفطن لها قلنا إن نمنع عدم تأثير الأمور الغير الاختيارية في ترتب الثواب لأنه إن أريد بالتأثير كون الامر الغير الاختياري موردا لترتب الثواب فلزومه في المقام ممنوع لان استحقاق الثواب ليس على مصادفة الوقت بل على العمل المصادف له وهو اختياري وإن لم يكن الوصف اختياريا وإن أريد التأثير باعتبار كونه شرطا في ترتب الثواب بأن لا يثاب على الامر الاختياري لمصادفة أمر غير اختياري فبطلانه ممنوع فإن العاملين المختلفين في العقل قوة وضعفا وفي الخلق كمالا ونقصا تتفاوت آثار أعمالهم ثوابا وقبولا وإن تساووا في الاختيار والاجتهاد مرتبة وقدرا مع أن قوة العقل وضعفه وكمال الخلق ونقصه خارجان عن حد الاختيار وهذا هو السر غالبا في تفاوت مراتب الأنبياء والأولياء ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وآله أشرف مرتبة وأرفع منزلة من الأنبياء الذين هم أكثر منه أعمارا وأزيد أعمالا فاتضح مما قررنا صحة صلاة من صادف الوقت وترتب ثواب صحيحها عليه إذا كانت مستجمعة لبقية الشرائط وبطلان صلاة من لم يصادف الوقت فإن قضية فوات الشرط فوات المشروط إذ لا مدخل للعلم والجهل في ذلك فلا يستحق عليها ثواب الصلاة لان استحقاق نوع من الاجر على نوع من الطاعة يتبع وعده تعالى وهو في الواقع متفرع على أهلية الفعل فإذا كان الوعد على الصحيح فلا استحقاق بالفاسد ألا ترى أن المولى إذا أمر عبده باصطياد ظبي ووعده على ذلك ببذل جاريته له فاصطاد العبد أرنبا معتقدا أنه ظبي امتثالا لما أمره به مولاه وطمعا فيما وعده به فإنه لا يستحق عند العقلا ذلك الاجر وإن لم يكن في تحصيل مطلوبة مقصرا أصلا ويرشدك إلى ذلك إجماع الأصحاب على عدم استحقاق العامل الجعل على غير العمل الذي بذله الجاعل عليه وإن اعتقد في فعله أنه ذلك العمل من غير تقصير هذا وأجاب بعضهم عن الحجة المذكورة باختيار الشق الثاني من الترديد فيما لو كان المصليان غافلين عن وجوب مراعاة الوقت لكن فصل حينئذ بين الذي لم يصادف الوقت فجعله غير مستحق للمدح أيضا وبين الذي صادفه فجعله مستحقا للمدح على فعل الصلاة لا على مصادفة الوقت قال ولا ملازمة بين كون شئ غير مستحق للذم والعقاب عليه وبين كونه مستحقا للمدح كما في تارك الزنا بغير قصد الامتثال فالجاهل بمراعاة الوقت المصلي فيه أقل ثوابا من العالم الذي راعى الوقت وصلى فيه لأنه تقرب بفعلين وتقرب الأول بفعل واحد واختار الشق الأول فيما لو كانا عالمين بذلك لكن فصل حينئذ بين من صلى في غير الوقت فجعله مستحقا للعقاب على ترك السعي في معرفة الوقت وعلى ترك الصلاة وبين من صلى في الوقت فجعله مستحقا للعقاب على ترك السعي لا على ترك الصلاة لاتيانه بها إذ ليست معرفة الوقت من شرائطها بل هو واجب آخر وتفصى عن إشكال كون الامر الاتفاقي موردا للمدح بأن المدح إنما هو على فعل الصلاة لا على فعلها في الوقت انتهى ملخصا ومواضع النظر منه غير خفية إذ القول بأن الغافل الذي لم يصادف الوقت غير مستحق للمدح على إطلاقه بعيد كما عرفت ويمكن تنزيله على المدح المترتب على الصلاة الصحيحة فيستقيم كما مر ثم دعوى صحة صلاة المقصر العالم بوجوب مراعاة الوقت على تقدير المصادفة له على إطلاقها واضحة الفساد لمنافاة ذلك لقصد القربة المعتبرة في العبادة نعم ربما أمكن فرض عدم التنافي حيث يعتقد العامل مشروعية العمل على تقدير عدم المراعاة لكنه فرض بعيد وإطلاق القول فيه غير سديد ودعوى ترتب عقابين على ترك السعي في معرفة الوقت وترك الصلاة مما ينافي ما حققناه في بحث المقدمة من أن تاركها لا يستحق العقاب عليها بل على ترك ما يجب له نعم يتجه في هذا الفرض دعوى ترتب عقابين باعتبار آخر وهو إتيانه بالعمل التشريعي المحرم وتركه للواجب هذا واعترض بعض المعاصرين على الجواب المذكور أولا بمنع كون الصلاة صحيحة حينئذ ومنع عدم الاشتراط بالمعرفة مستندا إلى فهم العرف أقول أما إطلاقه المنع من الصحة ففيه ما عرفت وأما استناده في ذلك إلى فهم العرف فغير جيد إذ لا تعلق للاشتراط المذكور بدلالة الامر بالفعل فيه حتى يستند فيه إلى العرف بل الاشتراط المذكور بعد الاغماض عن أدلة حرمة التشريع عقلي راجع إلى استدعاء الشغل اليقيني للفراغ اليقيني وثانيا بأن هذا هو الخروج عن قواعد العدل فإن مصادفة المصادف للوقت اتفاقية و